الديمقراطية ويب
  • strict warning: Non-static method view::load() should not be called statically in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/views.module on line 879.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 589.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 589.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter_boolean_operator::value_validate() should be compatible with views_handler_filter::value_validate($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter_boolean_operator.inc on line 149.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 25.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 135.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit(&$form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 135.

 

المحكمة العليا الأميركية

 

تعد حرية التعبير عن الرأي من الحريات الأساسية الأخرى التي تحميها الولايات المتحدة بواسطة التعديل الأول على الدستور الأميركي:

 

يحظر على مجلس الكونغرس تشريع أي قانون قد  يؤدّي إلى دعم ممارسة أي دين، أو تشريع أي قانون قد يؤدّي إلى منع ممارسة أي دين؛ أو تشريع أي قانون قد يؤدّي إلى تعطيل حرية التعبير عن الرأي أو النشر الصحفي أو حق الشعب في إقامة تجمعات سلمية أو إرسالهم لعرائض إلى الحكومة للمطالبة برفع الظلم.

 

بينما تضمن دساتير دول عديدة في العالم، ومن بينها دساتير دول عربية عديدة، حرية التعبير عن الرأي، فإن قلة منها هي التي تعلنها بشكل موسع بعيد عن التقييد. يُستهل التعديل الأول بمنع شبه مطلق [يحظر على مجلس الكونغرس تشريع أي قانون...]. ولكن، وفي مقابل وضوح الكلمات الدستورية، تعتبر حرية التعبير عن الرأي في الولايات المتحدة أكثر الحريات التي يتم الدفاع عنها في وجه تدخل الحكومة. يمكن تصور إذاً بأن للفرد في الولايات المتحدة أن يفكر في ما يحلو له ويقوله تقريباً، من دون الخوف من أي تدخل "خارجي" حكومي.

 

يعتبر إسهام المحكمة العليا محورياً في بلوغ هذا المستوى من الحريات في الولايات المتحدة. وتعد المحكمة العليا، وهي السلطة المناط بها تفسير الدستور، الحارس النهائي لأحكامها، بما فيها الحريات الدستورية للمواطنين الأميركيين، وخصوصاً من بينها تلك المخصصة في التعديل الأول. ومن هنا، سوف نقوم بمراجعة دور المحكمة العليا وكيفية صقلها لتطور الحريات في الولايات المتحدة، في كل من ما يتعلق بالصحافة والتعبير بشكل عام.

حرية الصحافة

إن القرارات المفصلية التي اتخذتها المحكمة العليا قد صقلت بيئة الصحافة الحرة في الولايات المتحدة وخصوصاً في مجالات ضبط النفس المسبق والقدح السياسي.

 

حظر ضبط النفس المسبق

لقد جرت العادة في الولايات المتحدة على مماثلة ضبط النفس المسبق بالرقابة. وفي حين أنه تم التعارف على مناهضته في مجمل تاريخ الولايات المتحدة إلا أنّ المحكمة العليا لم تعلن عدم دستوريته رسمياً إلا في القرن العشرين. وفي قرار Near v. Minnesotta المفصلي الشهير (1931)، حيث أعلنت المحكمة العليا أن التعديل الأول فرض الحصول على قرائن دامغة لتبرير دستورية ضبط النفس المسبق. وكان الجدال دائراً حول "تشريع المضايقة عامة" الذي أتاح للمسؤولين إصدار أمر قضائي بوقف نشر أي "صحيفة أو مجلة أو أي منشورات دورية أخرى مسيئة أو فاضحة أو قدحية". واستُخدم التشريع لحظر نشر إحدى صحف ولاية مينيابوليس واسمها The Saturday Press، بعد أن انتقدت الشرطة والمسؤوليين العموميين المحليين. وأعلنت المحكمة العليا عدم دستورية التشريع ووصفته بأنه "جوهر الرقابة."

 

 لقد اعتبرت وتناولت حرية الصحافة تاريخياً الدستور الفدرالي، التي حماها وضمنها، بشكل خاص    وغير استثنائي، الحصانة ضد ضبط النفس المسبق أو الرقابة. وقد توسع مفهوم حرية الصحافة في هذا البلد مع ما فرضته الحقبة الاستعمارية ومع الجهود الرامية إلى حماية الحرية من الإدارة القمعية. وأُوثِرت هذه الحرية للحصانة التي وفّرتها ضد ضبط النفس المسبق للنشر ومن رقابة المسؤولين العموميين ومن الاتهامات بسوء السلوك الرسمي.

...

حقيقة أن غياب شبه كلي، طوال مئة وخمسين عاماً، لمحاولات فرض قيود مسبقة على المنشورات التي تفضح الأفعال المنافية للقانون التي يرتكبها المسؤولون العموميون، هو انعاكس للقناعة الراسخة بكون هذه القيود منافية للحقوق الدستورية. ويجد المسؤولون العموميون التي تبقى أعمالهم وسلوكهم مفتوحة للنقاش والحوار الحر في الصحافة ، في قضايا الاتهامات الخاطئة، في أن علاجهم يكون في قوانين القدح التي تنص على أحكام الإنصاف والعقاب، لا في الإجراءات التي تقيد نشر الصحف والمنشورات الدورية.

 

وأشارت المحكمة التي شددت على أن النظام الديمقراطي السليم يستلزم وجود صحافة حرة تمحص جيدا في سير الشؤون عامة ووجوب حمايتها من رقابة الحكومة، وتحديدا ضبط النفس المسبق، إلى ما يلي:

 

لقد أصبحت إدارة الحكومة أكثر تعقيداً وتكاثرت إمكانيات ارتكاب الأفعال المنافية للقوانين والفساد، وشهدت نسب الجرائم ارتفاعاً غير مسبوق وتزايدت فرص حصولها على الحماية من قبل مسؤولين يفتقرون إلى الإخلاص وفرص إضعاف الأمن الأساسي للحياة والممتلكات التي تتسبب بها التحالفات الجرمية والإهمال الرسمي، مما برر الحاجة الماسة إلى صحافة دقيقة وشجاعة خصوصاً في المدن الكبرى. والواقع القائل بإمكانية استغلال حرية الصحافة من قبل الباحثين على الفضائح لا ينتقص من ضرورة تأمين حصانة الصحافة ضد ضبط النفس المسبق في التعامل مع سوء السلوك الرسمي. أما الحل الأمثل لحالات الانتهاكات عند وقوعها، فهو العقاب اللاحق بما يتطابق مع نص الدستور.Near v. Minnesota283 U.S. 697, 719-720 (1931).

  

ونتيجة لذلك، اعتبر حظر ضبط النفس المسبق غير مطلق، فقد يكون للحكومة، وفقاً للمحكمة العليا، أسباب موجبة لمنع نشر بعض المعلومات في ظروف خاصة وفي "حالات استثنائية" فقط مثل حالات الحرب، حيث يمنع نشر "تواريخ نقل الجيوش أو عددهم أو مواقعهم."  [Schenck v. United States, 249 U.S. 47, 52, (1919)]، غير أن إثبات هذه الظروف الاستثنائية يشكل عبأً نظراً إلى وجوب تمتع كل "نظام يفرض ضبط النفس المسبق على التعبير ويتقدم إلى المحكمة بقرائن دامغة تثبت دستوريته." [Bantam Books v. Sullivan372 U.S. 58, 70 (1963)]. فحتى في تعاملها مع الاستثناءات المتعلقة بالأمن الوطني، أظهرت المحكمة مقاومة كبيرة للحكم لصالح الحكومة في قضاياها حول ضبط النفس المسبق كما يظهره قرار مفصلي آخر هو New York Times v. United States (1971):

 

أثارت قضية New York Times v. United States مشاكل شبيهة بما أثارته فضائح ويكيليكس مؤخراً. ففي هذه القضية قام، دانييل إلسبرج، وهو محلل سابق في وزارة الدفاع، بتسريب دراسة قامت بها وزارة الدفاع من 47 مجلداً لصحيفة نيو يورك تايمز، تناولت حرب فييتنام وأصولها، بين عامين 1945 و1968. واحتوت المستندات التي عُرفت لاحقاً بـ"وثائق البنتاغون" معلومات سرية وأخرى سرية جداً وكشفت عن أن "السرية كانت مرافقة للخداع" [The Oxford Guide to the Supreme Court, p.682]. وقامت الإدارة، متذرعة بالمصلحة الوطنية التي تقضي بالإبقاء على المعلومات السرية بعيدة عن عيون الجمهور، بإصدار أمر محكمة يمنع نشر وثائق البنتاغون. رفضت المحكمة أمر الحكومة القضائي الدائم رافضة ادعاءاتها بأن نشر الوثائق قد يطيل حرب فييتنام ويحول دون إطلاق سراح سجناء الحرب الأميركيين ويشكل خطراً على الحياة. وعلماً بأن الحكومة "تمكنت من إثبات العبئ الثقيل لفرض هذا القيد"، إلا أن المحكمة اعتبرت، وعلى الرغم من الادعاءات التي تناولت الأمن الوطني، أن الحكومة فشلت في إثبات الحاجة إلى ضبط النفس المسبق؛ فمنحت صحيفتا The New York Times وWashington Postالحرية لنشر الوثائق المعنية وهو ما تم بالفعل.

 

في قضية وثائق البنتاغون، وفي حدث يندر وقوعه، دوّن كلّ من قضاة المحكمة العليا التسعة رأيه الخاص. وكانت آراء القضاء واضحة من حيث المبدأ في إداتنها، باسم التعديل الأول، ضبط النفس المسبق والسرية الحكومية والخطر الذي يشكلانه على حرية التعبير ونشر المعلومات. وفي ما يلي مقتطفات من بعض الآراء:

 

يتعين على "أي نظام يفرض ضبط النفس المسبق على التعبير يتقدم إلى المحكمة التمتع بقرائن دامغة تثبت دستوريته" Bantam Books, Inc. v. Sullivan, 372 U. S. 58, 70 (1963); see also Near v. Minnesota, 283 U. S. 697 (1931)وتمكنت الحكومة من إثبات العبئ الثقيل لفرض هذا القيد."Organization for a Better Austin v. Keefe, 402 U. S. 415, 419 (1971).

 

كان الهدف الأول من التعديل الأول منع شيوع ممارسات الحكومة في حظر نشر المعلومات المحرجة. ومن المعروف أن التعديل الأول هدف إلى الحد من انتشار استعمال قانون القدح والذم لفرض عقوبات على نشر معلومات محرجة للسلطات.

 

السرية الحكومية تتعارض مع الديمقراطية، وتولد أخطاء بيروقراطية. يعتبر الحوار والنقاش عام حيويين ودليلين على صحة نظامنا الوطني.

 

لا أستطيع التفكير في حالة سوء فهم أوضح من تلك. فقد استعمل ماديسون والآخرون ممن صاغوا التعديل الأول لغة اعتقدوا أنها واضحة وعصية على سوء الفهم: (يحظر على مجلس الكونغرس تشريع أي قانون... يؤدّي إلى تعطيل حرية .... النشر الصحفي) ويدعم كل من التاريخ ولغة التعديل الأول الرأي القاضي بمنح الصحافة حرية نشر الأخبار مهما كان مصدرها من دون رقابة أو أوامر قضائية أو ضبط نفس مسبق.

 

نزع سلاح القدح السياسي

 عائق آخر أمام حرية الصحافة، أزالته المحكمة الأميركية العليا، هو التهديد الذي تطرحه دعاوى القدح السياسي. ويعرف القدح  بأنه نشر شائعة عن شخص ما كتابةً أو بواسطة البث صوتاً و/أو صورة. وفي حين أن قوانين القدح والذم وُضعت لحماية الفرد من الشائعات التي تشوه سمعته أو تلحق الضرر بأعماله، فهي تنطبق تماماً على الصحفيين وحرية نشر المعلومات، بما أن التوازن بين حماية حق الأفراد الذي انتهكته الصحافة وحماية الإعلام من "الأثر التجميدي" الذي يتأتى من التهديد الذي تطرحه قضايا القدح والذم المكلفة على حريته ليس سهل التحقيق دائما. وبتعبير أبسط فإن التهديد الذي يطرحه ارتفاع تكاليف دعاوى القدح سبب قوي يسكت الإعلام حتى في القاضايا التي لا تعتبر تشهيرية.  فإمكانية مقاضاة صحفي بسبب القدح تمنعه من ممارسة عمله وتشكل بذلك تهديداً للانتشار الحر للمعلومات والحوارات عامة.

 

ويطرح هذا القانون بشكل خاص إشكالية عندما يتعلق الأمر بالقدح والذم السياسي؛ أي في الحالات التي ينشر فيها الإعلام معلومات عن المسؤولين العموميين ويتقصى حقائق عن الشخصيات السياسية. وفي الواقع يعتبر تطبيق قانون القدح والذم "الخام" على المقالات وعلى ما يقوم به الصحفي من عمليات تقصٍّ تستهدف مسؤولين حكوميين وسياسيين عبأً ثقيلاً على الصحفيين يعزز فيهم الرقابة الذاتية لتفادي الدخول في الدعاوى المكلفة. وهذا التأثير مضر على وجه الخصوص بصحة المجتمع الديمقراطي الذي يحتاج إلى مناقشة السياسات والمشاكل عامة وتحميل المسؤولين العموميين وممثلي الشعب المسؤولية أمام الشعب.

 

ويعتبر التهديد الذي يطرحه القدح السياسي كمعيق لحرية الصحافة كبيراً إلى حد أن الحقيقة نفسها في بعض الحالات لا تكفي للدفاع في البيانات التشهيرية. فقد فرضت بعض المحاكم الدنيا في الولايات المتحدة، في القرن التاسع عشر، على المدعى عليهم تقديم إثبات على أن الخبر أو الإعلان القدحي، وعلى الرغم من صحته، نُشر "لدوافع حسنة ولأسباب مبررة". وبشكل عام، كانت المحاكم تطالب الصحافة بإثبات صحة الأخبار القدحية ومع ذلك، كانت تفرض عليها العقاب في ما لو نُشرت الأخبار الصحيحة بنية سيئة.

 

وتحركت المحكمة العليا أخيراً في ما يخص عدم دستورية القدح السياسي المطبق على الإعلام في قراراها في قضية New York Time v. Sullivan عام 1964. فقد غُرمت صحيفة The New York Times، من بين مدعى عليهم آخرين، بمبلغ 500,000 دولار أميركي، من قبل محكمة في ألاباما، لنشرها إعلاناً من صفحة واحدة تدافع فيه عن حركات الحقوق المدنية في الجنوب. وقد احتوى الإعلان مواد وبيانات غير دقيقة. وربح ساليفان، وهو مسؤول في مقاطعة ألاباما دعوى القدح. غير أن المحكمة العليا نقضت حكم محكمة ألاباما متسلحة بالتعديل الأول ومعارضة بذلك قراراتها الماضية التي استثنت القدح من فئة الكلام المتمتع بحماية الدستور (Beauharnais v. Illinois, 1952)، بما أن الترويج التشهيري لم يكن جزءا أساسيا من أي عرض للأفكار (Chaplinsky v. New Hampshire, 1942). وفي القرار المتعلق بصحيفة The New York Times، اعتبرت المحكمة أنه، "وتماماً كالفتن والتحقير والدفاع عن الأعمال غير القانونية وانتهاك السلامة عامة والبذاءة والأشكال الأخرى المبررة لقمع التعبير والتي طُعن فيها أمام هذه المحكمة، لا يمكن للقدح التمتع بالحصانة من القيود التي يفرضها الدستور." لذلك، يتعين أن "يقاس القدح وفقاً لمعايير التعديل الأول." وتم تطوير هذا القرار لاحقاً وتعزيزه بقرارات أخرى صادرة عن المحكمة العليا.

 

تعتبر الحقيقة في الولايات المتحدة دفاعاً مطلقاً ضد الاتهامات بالقدح السياسي: فلا يمكن اعتبار الحقيقة في القضايا التي تعني المصلحة عامة قدحاً. وحتى الإعلانات والأخبار الخاطئة ليست بحد ذاتها قدحية عندما تطلقها الصحافة ضد المسؤولين أو الشخصيات عامة بشكل عام والسياسيين بشكل خاص. وليربح الدعوى، يتعين على المدعي أن يثبت "سوء نية" المدعى عليه (وهو معيار يصعب إثباته)، أي معرفته المسبقة بعدم صحة الخبر أو إهماله التأكد من مدى صحته. ويقع عبئ إثبات "سوء النية الدستوري" على المدعي الذي يتعين عليه أن يبرهنه بإثبات "واضح ومقنع": فالأمر لم يعد بسيطاً كما كان سابقا.

 

عدم حماية الإعلام

لم تنحصر إسهامات المحكمة العليا الأميركية في الحريات بحرية الصحافة؛ فقد قامت بدور الراعي الأهم للحقوق الفردية في وجه تدخل الحكومة وخصوصاً الحق في حرية التعبير بشكل عام، كما يحميه التعديل الأول. غير أن رعاية المحكمة العليا للحقوق التي يضمنها التعديل الأول لم تكن فاعلة على الدوام والمستوى الذي بلغته حماية الحريات هو ثمرة تقدم متقلب أوصلها إلى ما هي عليه اليوم.

 

في الواقع كانت حرية التعبير عن الرأي، في الولايات المتحدة كما في غيرها من الدول الضحية الأولى في أوقات الصراع. فقد كان التعبير في أوقات الحرب جريمة، ، إلا إذا كان يحث ضد ذلك.[1] ومجرد "الميل" في الخطابات إلى التشجيع على الخروج عن القانون أو التسبب بالخروج عليه كافياً لتجريمها. وحتى في أوقات السلم كانت حرية التعبير تقع بسهولة ضحية "الفزع الأحمر"Red Scare في الحقبة الماكارتية مثلاً حين بدا أن الخوف من الامتداد الشيوعي نجح في سلب المحكمة العليا قوتها في مواجهة القرارات المثيرة للجدل الصادرة عن الكونغرس والسلطة التنفيذية.[2] وحتى الخطابات المبهمة التي دعت إلى إسقاط الحكومة الأميركية، كنشر العقيدة الماركسية التي تدعو إلى إرساء نظام غير ديمقراطي يتمثل بدكتاتورية الطبقة عاملة، كانت كافية للتجريم بغض النظر عن جدية التهديدات التي كانت تتسبب بها من واقع التعاليم مثل هذه.

 

وانتهت هذه الحقبة السوداء في تاريخ المحكمة العليا مع قرار مفصلي آخر باسم: Brandenburg v. Ohio(1969). اتُخذ هذا القرار "في سياق توسع كبير للحريات التي يضمنها التعديل الأول"[3] كما شكّل "الخطوة الأخيرة في السنوات الخمسين القاسية التي وضعت فيها المحكمة العليا دستورياً قياساً للتعبير الحر الذي يدافع عن الأعمال غير القانونية."[4] وليكون الدفاع غير قانوني، يجب أن يكون (1) "هادفاً إلى الحض على الأعمال غير القانونية الفورية أو إنتاجها"[5] [التشديد على الفورية من قبلنا] كما يجب أن يكون (2) احتمال حضه أو إنتاجه لهذه الأعمال مرجحاً[6]." وأصبح براندنبوغ "رائد عقيدة حرية التعبير الحديثة التي تحاول تأمين حماية خاصة للتعبير السياسي الملائم وتمييز الكلام عن الفعل."[7] وفي الولايات المتحدة اليوم، تتمع الآراء غير المرغوب فيها أو المكروهة بالحماية حتى ولو كانت كذلك، وخصوصاً إذا كانت معارضة للخطابات السائدة أو للرؤى الموافق عليها من قبل الشرائح الكبيرة في المجتمع.

 

وتمتد حماية حرية التعبير بموجب التعديل الأول لتشمل أشكالاً أخرى من التعبير وهي ليست محصورة بالكلمات المحكية أو المكتوبة. فيعتبر إحراق العلم الأميركي مثلاً شكلاً من أشكال التعبير وقد تم أُقصاء القوانين التي تمنعه لعدم دستوريتها.[8] وينطبق الأمر نفسه على إحراق صليب في حديقة أحدهم الذي وعلى الرغم من كونه تعبيراً عن آراء مناصري فوقية البيض التي يرفضها المجتمع الأميركي بغالبيته، يتمتع بحماية التعديل الأول وفقاً للمحكمة العليا؛ وبحسب أحد قضاة المحكمة العليا، فإن الحكم بعكس ذلك هو "نسف للتعديل الأول".[9]

 

[1]  جرم قانون العصيان للعام 1918، والذي دخل حيز التنفيذ في الحرب العالمية الأولى، "إطلاق أو كتابة أو نشر أي كلام غادر أو مشهر أو سفيه أو مسيء وبشكل طوعي حول شكل الحكومة في الولايات المتحدة" أو "إطلاق أو التحريض على أو الدفاع عن أي تعطيل لأي إنتاج" للأمور "الضرورية أو الأساسية لمتابعة الحرب." واستعمل القانون إلى جانب قوانين فدرالية كثيرة لإدانة 877 شخصاً على الأقل في العام 1919 و1920، وفقاً لتقرير صادر عن النائب العام. في العام 1919، طرحت أمام المحكمة العليا قضايا عديدة حول حرية الكلام- Schenck v. US, Debs v. United States, Abrams v. United States and Frohwerk v. United States – وقد أصدرت الإدانات في القضايا الأربعة معتمدة على قانون مكافحة التجسس لعام 1917 وقانون العصيان لعام 1918، وأعلنت دستوريتهما.

[2] "ألهم الخوف من انتشار الشيوعية انطلاق أنشطة حكومية كثيرة هدفت إلى منع التجسس والتدمير. ومن بين تلك الأنشطة، قيام الكونغرس بإنفاذ قانون الأمن الداخلي لعام 1950 وقانون آخر عرف باسم Internal Security Act (قانون التحكم بالتوسع الشيوعي) لعام 1954 بشكل دستوري وتطبيق المحاكمات الجرمية وترحيل الأصوليين وتطوير برامج للحفاظ على الولاء واعتبار بعض المنظمات تخريبية رسمياً،  وفرض تأدية قسم الولاء والتحقيقات الحرة التي قامت بها لجان دستورية عديدة  كان أشهرها "لجنة الأنشطة المناهضة لأميركا" (HUAC). هددت هذه الأنشطة الحكومية الحقوق الفردية مولدة قضايا رُفعت في ما بعد أمام المحكمة العليا. وفي تلك الحالات كانت المحكمة [العليا] تدعم القرار الحكومي المطعون فيه. فقد أكدت مثلاً، في قضية American Communications Association v. Douds (1950) على دستورية أحد أحكام قانون تافت-هارلي الذي فرض على مسؤولي اتحاد العمال ملء إفادات ينفون فيها عضويتهم في الحزب الشيوعي."

غير أنّ المحكمة العليا الأميركية استعادت نشاطها السابق مع انتهاء مرحلة Red Scare بدءاً من القسم الثاني من العام 1950. ففي قضيتي Peters v. Hobby (1955) and Cole v. Young (1956)، أعادت المحكمة موظفين عموميين إلى مناصبهم مبرأة ذمتهم بموجب برنامج الحفاظ على الولاء. كذلك، فقد أسقطت إدانة أحد القادة الشيوعيين لإخلاله بقانون العصيان وأقصت قراراً يطلب من الحزب الشيوعي التسجل في هيئة مراقبة الأنشطة التخريبية. في "الاثنين الأحمر" (17 حزيران/يونيو 1957)، أسقطت المحكمة في قضية Watkins v. United States (1957)، إدانة رجل رفض الإجابة عن أسئلة لجنة الأنشطة المناهضة لأميركا وفرضت في قضية Sweezy v. New Hampshire (1957)، قيوداً دستورية على التحقيقات التي قادتها الهيئة التشريعية في الدولة. وأمرت في قضية Service v. Dulles (1957) الحكومة الفدرالية إلى إعادة الخطر الأمني المزعوم، وفي قضية Yates v. United States (1957)، أسقطت إدانات قانون سميث للقادة الشيوعيين في كاليفورنيا." وأخيراً ومنذ العام 1962، "أبطلت المحكمة مجموعة من "البقايا" القانونية لحقبة الحرب الباردة." The Oxford Guide to the Supreme Court]، ص.199[

[3]  The Oxford Guide to the Supreme Court، ص.101

[4]  The Oxford Guide to the Supreme Court، ص.101

[5]  Brandenburg v. Ohio, 395 U.S. 444, 447 (1969).

[6]  Brandenburg v. Ohio, 395 U.S. 444, 447 (1969).

[7]  Brandenburg v. Ohio, 395 U.S. 444, 447 (1969).

[8]  The Oxford Guide to the Supreme Court، ص.101

[9]  القاضي أنطوني سكاليا في R. A. V. v. City of St. Paul, 505 U.S. 377 (1992): "لنتنبه كلنا إلى الشجب الذي قد يواجهه اعتقادنا بإحراق صليب في حديقة أحدهم. غير أنّ القديس بولس تمتع بسبل كثيرة لمنع هذا السلوك من دون نسف التعديل الأول."

الديمقراطية ويب 2017