الديمقراطية ويب
  • strict warning: Non-static method view::load() should not be called statically in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/views.module on line 879.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 589.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 589.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter_boolean_operator::value_validate() should be compatible with views_handler_filter::value_validate($form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/handlers/views_handler_filter_boolean_operator.inc on line 149.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 25.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 135.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit(&$form, &$form_state) in /usr/home/iraqfoundation/public_html/demokratiaweb.org/sites/all/modules/contrib/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 135.

 

لمحة تاريخية


أولى أشكال الجمعيات

كانت أقدم المنظمات المستقلة دينية بشكل خاص؛ أما أهمها في أوروبا الغربية في القرون الوسطى، فكانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية التي حافظت على بنيتها وحكمها الذاتي حتى في البلدان الكثيرة التي مثّلت فيها الديانة الرسمية. أنتجت هذه المنظمة أيضاً مجموعة متنوعة من الجماعات الدينية التابعة انتمى إليها رجال الإكليروس والناس العاديون بما فيها رابطات الفرسان التي شاركت في الحملات الصليبية مثل الرابطة التيوتونية. شهدت العصور الوسطى تطور المدن التجارية التي أمست مستقلة وشجعت جمعيات التجار ونقابات الحرفيين والتجمعات الأخرى التي غالباً ما كان يرعاها الحكام. وتطورت الجمعيات التجارية التي تحمل برءات ملَكية لتتحول في ما بعد إلى أدوات عززت الاستعمار مثل شركة الهند الشرقية الإنجليزية ونظيرتها الهولندية. وشهدت البلدان الإسلامية ممارسات مشابهة، فقد تم تنظيم العمال في النقابات والإخوان الصوفية. وتم استبدال النقابات بالمصانع في خلال فترة التنظيمات (فترة الإصلاح) التي أطلقها السلاطين المصلحون مثل محمود الثاني وابنه عبد المجيد الأول. وتولت التنظيمات إعادة تنظيم الإنتاج الذي أدى إلى ظهور التصنيع وذلك من خلال تعديلات قانونية ودستورية (1839-1876).

 

 

الماسونية

شهد عصر الأنوار (القرنان السابع عشر والثامن عشر) ظهور الجمعيات الحرة المنفصلة عن أوروبا على الصعيد الاقتصادي والديني والملكي والتي كان أهمها جمعيات الحركة الماسونية. بعد تراجع حركة البناء إبان إتمام تشييد الكاثدرائيات العظيمة في أوروبا، تحولت محافل البنائين من مراكز للتعليم والتوظيف إلى منظمات أخوية ضمت المفكرين والنخبة ونادت بالأخوة والمساواة والسلام وكان أوّلها محفل إنكلترا الكبير الذي أُنشئ في العام 1717. وانتشرت الماسونية بعدئذٍ في أصقاع العالم وبخاصة في البلدان التي انتمت إلى التاج البريطاني ومنها الأراضي التي تعرف اليوم بالولايات المتحدة الأميركية. اضطلع الأفراد بدور بالغ الأهمية في عصر الأنوار وفي الثورتين الأميركية والفرنسية وفي أحداث وحركات أخرى. تسبب هذا الواقع بالإضافة إلى شعائر المحافل والسرية التي أحاطت بها بظهور نظريات عزت ظهور الماسونية إلى تآمر مؤسسيها وذلك على الرغم من كون تأثيرها الظاهر نتيجةً لتنظيمها الاجتماعي المستقل وعلاقات أعضائها أكثر من كونه مخططاً رئيسياً. وأدى ظهور الجمعيات السياسية السرية في خلال الثورة الفرنسية إلى قيام البرلمان البريطاني بالمصادقة على قانون الجمعيات غير المشروعة البريطاني في العام 1799 وهو أحد أول القوانين المناهضة لقيام الجمعيات في العصر الحديث. لم يكن هذا القانون يطبَّق  على المحفل الماسوني بشرط أن يقوم أعضاؤه بإعلام السلطات بعضويتهم وبكافة نشاطاتهم وهو شرط لم يُبطل حتى العام 1967. وأدى الخوف من الاضطرابات الاجتماعية في تلك الفترة إلى المصادقة على قانوني التجمع في العامين 1799 و1800 اللذين حظرا عمل النقابات العمالية.

 

أليكسي دي توكفيل وأهمية المجتمع المدني في الولايات المتحدة

أدى الإصلاح إلى نشوء طوائف بروتستانتية مختلفة آثرت استقلالية الجماعات على السلطة التراتبية والوحدة. وقد ظهر هذا الميل جلياً في الولايات المتحدة حيث شجع تنوع الجماعات المهاجرة وفصل الكنيسة عن الدولة ظهور بنى دينية مستقلة. وأتاحت بيئة البلاد المنفتحة اقتصادياً نمو الأعمال والشركات والبنى التجارية الأخرى بالإضافة إلى منظمات العمال والتنظيمات الأخوية. ونشأت الجماعات المدنية والأحزاب السياسية من الإرث الاستعماري الأميركي المتمثل في الحرية النسبية ومصلحة المجتمع واعتمد الشكل الجديد للحكم الذاتي للأمة بشكل كبير على مشاركة المواطنين هذه.


 وأشار السياسي الفرنسي أليكسي دي توكفيل إلى ذلك  في كتابه "الديمقراطية في أميركا" (1835):

يتحد الأميركيون مهما كانت أعمارهم وظروفهم وذهنياتهم. فهم لا يتمعون بجمعيات تجارية وصناعية يساهمون فيها جميعاً فحسب بل يتمتعون أيضاً بآلاف الجمعيات من أنواع أخرى: الدينية والأخلاقية والمهمة وغير المهمة والعامة والخاصة والهائلة والبالغة الصغر. (المجلد الثاني، الجزء الثاني، الفصل الخامس).

 

بالنسبة إلى دي توكفيل، تكمن أهمية المجتمع المدني لا في قدرته على تنفيذ الوظائف الحكومية -على الرغم من قيامه بذلك على الداوم؛ بل في قيامه بكل الأمور الصغيرة التي لا يمكن للحكومة القيام بها. وقد كتب ما معناه أن التجمع في البلدان الديمقراطية هو الأساس الذي يقوم عليه التقدم بشتى أشكاله. وتدعم الأحداث التي شهدتها الأعوام المئة والخمسة والسبعون بعد نشر "الديمقراطية في أميركا" ما قاله دي توكفيل ويلاحظ اليوم أن المشاركة الاجتماعية والتطوع وأنشطة المنظمات غير الحكومية قد زادت بشكل ملحوظ وتعتبر الحياة الاجتماعية الأميركية المثال الأنسب عنها بين الأمثلة التي تقدمها الديمقراطيات الناشئة الأخرى.

 

تضارب الليبرالية الاقتصادية والعمل

لعبت حرية الاشتراك في الجمعيات دوراً فريداً في التاريخ نظراً إلى تضاربها مع الليبرالية السياسية والاقتصادية وهما فلسفتان ركزتا على الحريات المدنية والأسواق الحرة. ودافع المحللون ومنهم ميلتون فريدمان وفريديريك حايك ولودفيك فون مايسز وغيرهم من أنصار الليبرالية الاقتصادية عن حد أدنى من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بحجة أن السياسات، ومن بينها تلك الخاصة بالحد الأدنى للأجور والسياسات البيئية والمفاوضة الجماعية عبر النقابات العمالية، أعاقت النمو الاقتصادي وشكلت تدخلاً في الحرية الاقتصادية. هدف الجانب الاقتصادي لليبرالية إلى إبرام الأفراد الأحرار، أرباب عمل وعمال، عقوداً من دون أي تدخل خارجي. ورأى العديدون من الليبراليين في مطالب النقابات العمالية، التي تشكلت في أوائل القرن الثامن عشر في أوروبا التي كانت تشهد ثورتها الصناعية في ذلك الحين، بزيادة الأجور وتخفيف قسوة شروط العمل، تهديداً لحرية السوق.

 

أرض المعركة البريطانية

شكلت بريطانيا كبرى أراضي المعارك في الصراع الذي نشأ بين حرية الاشتراك في الجمعيات وحقوق الملكية، وهو صراع غالباً ما خسره العمال. فقد اجتمع النمو السكاني والتقدم الصناعي في نهاية القرن الثامن عشر لخلق ظروف عمل بالغة السوء في مصانع البلاد وقُضي على محاولات العمال للتنظيم بشراسة. ووصف المصلح المتطرف فرانسيس بلايس ما لاحظه قائلاً:

 

كانت معاناة عمال حقول القطن لا تصدق؛ كان يتم تجميعهم ويتعرضون للخيانة والمحاكمة ويُحكم عليهم وتُنزل أشد العقوبات بهم؛ وقد تم التقليل من شأنهم.

 

تخطي قانون التجمع

نظراً إلى التهديد الذي طرحه قانون التجمع وقوانين منع التآمر، نشأت نقابات كثيرة في بريطانيا سراً. وعلى الرغم من خطر العقوبات القاسية بما فيها النقل إلى مستوطنات العقاب مثل أستراليا، انضم عمال كثيرون إلى هذه المجموعات وقاموا بأعمال هدفوا من ورائها إلى وقف تقهقر مستويات معيشتهم، وأشهر هذه المجموعات الحركة اللاضية التي تضم عمال النسيج الذين دمروا الآلات الصناعية الحديثة لتسببها بتدني الرواتب والبطالة. وقد تم إعدام العشرات منهم بعد المحاكمات الجماعية. ودعم حزب اليمين والمصلحون الآخرون، رغم معارضتهم للنقابات العمالية، رفض قانون التجمع في العام 1824 لأنهم خشوا تسبب التدابير بارتكاب العمال أعمال عنف أشرس.

 

ظهور الحركة العمالية البريطانية

أدى رفض قانون التجمع إلى ارتفاع عدد النقابات العمالية التي اجتمعت في نقابات وطنية وإلى قيام اتحاد النقابات الوطني الأول في العام 1833. ضم اتحاد النقابات الوطني الكبير المعزز في أوجّه 500000 عضو غير أنه انهار فجأة، ويعود ذلك جزئياً إلى العقوبات التي فُرضت على التظاهرات، واستبدل لاحقاً باللقاء السنوي للمجالس التجارية المحلية المعروف بمؤتمر نقابات العمال (TUC) الذي أُطلق في العام 1868. وما زال مؤتمر نقابات العمال الاتحادَ المركزيَّ لحركة العمال البريطانية الذي يمثل ما يقارب السبعة ملايين شخص.

 

تتابعت أعمال العنف التي ارتكبها أرباب العمل كما تكرر قيامهم بتعليق عمل الموظفين وطردهم وبأعمال أخرى استهدفت النقابات طوال القرن التاسع عشر. وفشلت حملات رفع العرائض الجماعية والإضرابات الوطنية والجهود التي بذلتها الطبقة العاملة مثل الحركة الجارتية بين العامين 1838-48، في منح النقابات العمالية سلطة اتخاذ القرارات القاطعة. ولم يحدث ذلك إلا عندما تسلمت الحكومة المؤلفة بغالبيتها من حزب العمال البريطاني زمام السلطة في العام 1945، بعد سنوات من إنهاء الحرب للتظاهرات الصناعية. حتى في يومنا الراهن، ما زالت تتم مناقشة المدى الذي يجب أن تستحوذه حرية الاشتراك في الجمعيات. وقد حد إدخال قوانين عديدة حيز التنفيذ في عهد رئيسي وزراء الحزب المحافظ مارغريت تاتشر وجون ميجر في الثمانينيات والتسعينيات من تأثير النقابات العمالية. عارضت النقابات هذه التدابير بشدة بحجة حؤولها دون تمتع العمال بحق الإضراب وبحقوقهم الأخرى التي منحهم إياها انتماؤهم إلى الجمعيات.

 

تاريخ العمل الدولي

للصراع من أجل حرية الاشتراك في الجمعيات في بلدان العالم تاريخ مشترك. شهدت غالبية البلدان قمعاً لأنشطة النقابات العمالية كما واجه عمالها التخويف من خلال إنزال مراتبهم أو تسريحهم ووسائل أخرى. في هذه الأثناء نظم العمال في البلدان جميعها نقابات تمثل مصالحهم أمام أرباب العمل في القطاعين الخاص والعام وذلك بهدف تحسين ظروف العمل وضمان التقدم في الوضع الاقتصادي والاجتماعي العام وتعزيز الديمقراطية في بلدانهم. في المئة وخمسين سنة الماضية، كانت الحركات العمالية أساسية لتحقيق الديمقراطية في بلدان عديدة وقد نجحت النقابات العمالية الحرة في ظل الديمقراطيات في تعزيز معايير العيش والسلامة في مكان العمل. نتيجةً لذلك، تم اعتماد معايير الرفاه والعمل الأساسية في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

 

منظمة العمل الدولية

يعود اعتماد معايير العمل المعززة أيضاً بشكل أساسي إلى ما قامت به منظمة العمل الدولية. بعد الحرب العالمية الأولى، ضغط سامويل غومبرز، الذي ترأس طويلاً اتحاد العمال الأميركي، والقادة العماليون الآخرون، على الرئيس وودرو ولسن للمصادقة على إنشاء هذه المنظمة لأن "السلام
العالمي والدائم لا يمكن أن يقوم إلا على أساس من العدالة الاجتماعية
" (ديباجة دستور منظمة العمل الدولية). واتفق ولسن والمفاوضون الآخرون في مؤتمر السلام في باريس على أن السلام في العمل أساسي للسلام في العالم ووافقوا على الاقتراح القائل بتأسيس منظمة دولية للمساعدة على الحد من ظروف العمل السيئة التي تسببت باضطرابات اجتماعية. اعتمدت المنظمة هيكلية ضمت ممثلين عن الحكومات والمؤسسات التجارية وممثلين عن العمال، ما أتاح اعتمادها معايير دولية مقبولة من الجميع.كرست الاتفاقيات الأولية التي وضعتها منظمة العمل الدولية قاعدة العمل لثماني ساعات في اليوم، و48 ساعة في الأسبوع كما دعت إلى إنهاء عمالة الأطفال (ما دون الرابعة عشرة)، وتخصيص إجازة أمومة (ستة أسابيع) وتأسيس وكالات استخدام وطنية في كل بلد لتنفيذ برامج سوق العمل وتسجيل العمال العاطلين عن العمل وتأمين المساعدة في العثور على الوظائف.

 

لم يكن الحق بحرية التجمع، وعلى الرغم من إدراجه بشكل عام في ديباجة دستور منظمة العمل الدولية، من المبادئ الأساسية للمنظمة حتى العام 1944 أي إلى أن اعتمدت إعلان فيلادلفيا (فقد أضعفت الكارثة التي تسببت بها الحرب العالمية الثانية كسابقتها اعتراضات أرباب العمل). في العام 1948، اعتمدت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 87 حول الحرية النقابية وحماية حق التنظيم وتلتها الاتفاقية رقم 98 حول حق التنظيم والمفاوضة الجماعية. وكما تمت الإشارة إليه سابقاً، اعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بحرية الاشتراك في الجمعيات وتشكيل النقابات العمالية. واعتمدت 150 و160 دولة على التوالي اتفاقيتي منظمة العمل الدولية 87 و98 وكلاهما من اتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية الثماني التي تشمل أيضاً حظر السخرة وعمالة الأطفال والتمييز في الاستخدام.

 

ومن بين آثار منظمة العمل الدولية الأهم في التاريخ إلهامها حركة "تضامن" البولندية ودعمها لها، هي التي انتفض فيها ملايين العمال بدءاً من العام 1980 للمطالبة بقيام نقابات عمالية حرة وتنفيذ الاتفاقيتين 87 و98. أطلق نجاح هذه الحركة الاعتراف بنقابة عمالية حرة للمرة الأولى في دولة شيوعية.

 

حرية الاشتراك في الجمعيات والدول التوتاليتارية

في التاريخ الحديث، قد تكون الدول التوتاليتارية الشيوعية مثل الاتحاد السوفياتي والصين وكوبا المنتهكة الأكثر قسوةً لحقوق العمال. صادقت الدول المسماة بالديمقراطيات الشعبية في الاتحاد السوفياتي على اتفاقيات منظمة العمل الدولية من دون أي نية بالتقيد بها عملياً. ادّعت الدول الشيوعية أن العمال لا يحتاجون إلى نقابات عمالية حرة لأن الحزب الشيوعي وجمعيات العمال التابعة له  تمثل مصالحهم. في الواقع، لم يكن لأي أحد في تلك البلدان الشيوعية أن يبدي رأيه في من يمثّله. وقد شبّه قائد الثورة البولشيفية فلاديمير لينين النقابات العمالية بـ"ناقل" أوامر الحزب إلى العمال. تم تفكيك منظمات العمال المستقلة كلها وأُقيمت اتحادات نقابات عمالية رسمية، شاملة لمساعدة الدولة على التحكم بالقوة العاملة. وكان المسؤولون في هذه المنظمات بشكل عام ناشطين في الحزب أو مخبرين سريين تمثلت مهمتهم الأساسية في التجسس على العمال والإبلاغ عن كل من يبدي أي معارضة. في بعض البلدان كان يتم سجن العمال لبلوغ الأعداد الواجب توقيفها خلال الحملات الإيديولوجية القمعية. كان يتم إرسالهم إلى مخيمات العمال ويفرض عليهم العمل بالسخرة. كذلك أشرف القادة السوفياتيون على حملات حدد فيها العمال "الكادون" stakhanovites كميات ومعايير إنتاج استحال بلوغها وحددت بموجبها الأجور. وتعين على العمال بذلك تقديم كمية أكبر من الإنتاج للحصول على الأجر نفسه. وفرضت النقابات العمالية الرضوخ على الشعب إذ كانت تراقب توزيع الأغذية والإسكان والعُطل والسلع النادرة كالثلاجات.


كان تنظيم النقابات العمالية السوفياتية نموذجاً عن "مخالفة النقابات" وهو يتعارض مع حرية الاشتراك في الجمعيات. فبدلاً من حماية العمال من الاستغلال، كانت النقابات الرسمية ترغمهم على العمل بوتيرة أسرع وجدٍّ أكبر لتلبية متطلبات الدولة. في البلدان الديمقراطية، كان أرباب عمل القطاع الخاص يعتمدون نموذجاً مشابهاً عُرف "نقابات المنشآت" ولكن اعتماد الاتحاد السوفياتي لهذه الممارسات كان أوسع فشكلت جزءاً أساسياً من النظام التوتاليتاري. والأسوء من ذلك أن السوفيات فرضوا نموذجهم وصدروه إلى الدول التابعة في أوروبا الشرقية والبلدان الشيوعية حول العالم. أما اليوم، فتعتبر جمهورية الصين الشعبية أكبر دولة ما زالت تعتمد نظام نقابات عمالية رسمي يحكمه الحزب الشيوعي.

 

تحظر الأنظمة التوتاليتارية قيام الجمعيات من أي نوع كانت، لا النقابات العمالية فحسب، وذلك سعياً منها للحفاظ على تحكمها التام والمطلق بالمواطنين. تطلب بلدان عديدة تسجُّل المنظمات غير الحكومية حاجبةً حق التسجل عن المجموعات الإصلاحية والسياسية وتلك التي تعنى بحقوق الإنسان ومحظرةً أنشطة الجمعيات. ففي أوزبكستان مثلاً يفرض القانون على المنظمات التسجل وتواجه المنظمات غير الحكومية غير المسجلة مضايقات مستمرة، كما تجدر الإشارة إلى أن الحكومة قامت بعد الاضطرابات المدنية بإغلاق كافة المنظمات ذات التمويل الخارجي. كذلك أرغمت الحكومة الأوزبيكية غالبية المنظمات غير الحكومية على الانضمام إلى مجموعة رسمية من المنظمات غير الحكومية ما عزز تأثير الحكومة على التمويل والعمليات. وألغت حكومات أخرى شرعية المجتمع المدني؛ ففي كوريا الشمالية مثلاً، ما من جمعيات أو منظمات معروفة سوى تلك التي تنشئها الدولة، وتعتبر المفاوضة الاجتماعية وأنشطة العمال الأخرى غير شرعية وتستأثر الدولة بالسيطرة التامة على الإعلام وعلى النظام السياسي.

 

أرباب العمل يردّون

على الرغم من التاريخ الطويل للنقابات العمالية الديمقراطية، ومن اعتماد اتفاقيات منظمة العمل الدولية وتأثير حركة تضامن البولندية، ليست حرية الاشتراك في الجمعيات مضمونة أو محمية في أنحاء كثيرة من العالم. والدكتاتوريات هي المنتهك الأشرس لهذه الحقوق ولكن يشار إلى أن ديمقراطيات عديدة أيضاً تعجز عن بلوغ المعايير الدولية خصوصاً في ما يتعلق بحقوق العمال. في الواقع، تعرضت حقوق النقابات العمالية للإعاقة والاجتزاء في العقود الأخيرة باسم الحرية الاقتصادية في ظل إنعاش الليبرالية الاقتصادية التقليدية.

 

على الصعيد الدولي، ارتبط هذا الإنعاش بتقليص عوائق التجارة وبظاهرة العولمة. فقد باتت الشركات المتعددة الجنسيات أقدر من ذي قبل على الاستغناء عن البلدان التي تفرض معايير يصعب بلوغها على حرية الاشتراك في الجمعيات والبحث عن عمال أقل أجراً وأكثر رضوخاً في بلدان أخرى؛ كالصين وبورما والفيتنام مثلاً حيث يواجَه العمال الذين يحاولون تنظيم نقابات عمالية حرة بالقمع من قبل الحكومات الاستبدادية. ويستغل المصنعون أيضاً معايير العمل الدنيا وضعف إنفاذ القوانين في الديمقراطيات الجديدة والنامية في كل من أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وسواهما، إلخ...

 

أما على الصعيد المحلي، فقد تزايدت معارضة المجموعات التجارية والأحزاب السياسية المحافظة للنقابات التجارية ما أعاد الأمور إلى عهد المواجهة بين الرأسمالية والعمال بدلاً من الحفاظ على ما تم التوصل إليه في مرحلة ما بعد الحرب. تعتبر خلايا فكرية محافظة عديدة أن النقابات العمالية لا تتماشى مع الحرية الاقتصادية وتنتهك الحقوق الفردية كما أنها تتمتع بما يجعلها تتعارض مع الأحزاب السياسية المناصرة للتجارة. في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدد من البلدان الديمقراطية الأخرى تحظر القوانين التي تحكم النقابات العمالية في الوقت الراهن جزئياً حقها في التنظم وتمثيل العمال وتنظيم التظاهرات. انتُقدت أستراليا مثلاً مؤخراً بسبب قوانين جديدة ادعي أنها تنتهك معايير منظمة العمل الدولية وتثبط المفاوضة الجماعية في ما يصب في صالح العلاقات الفردية بين العمال وأرباب العمل. ويعيد رجال الاقتصاد عادة تراجع التنظيم النقابي في الديمقراطيات المتقدمة إلى الانتقال الاقتصادي الطبيعي من التصنيع إلى الخدمات وتكنولوجيا المعلومات وإلى التنافس العالمي المتعاظم كما أشرنا سابقاً. غير أن النقابيين وآخرين يعتقدون أنّ التغييرات القانونية والتنظيمية غير المناسبة تؤثر هي الأخرى على مجرى الأمور. وهم يضربون المثال بقوانين عمل أكثر صرامةً في بعض البلدان الأوروبية الغربية التي لم تعرف انخفاضاً في نسب التنظيم النقابي بهذا الشكل، على الرغم من تعرضها للقوى الاقتصادية عينها.

الديمقراطية ويب 2017